القاسم بن إبراهيم الرسي
338
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
جربت من أسقامها ؟ وما حل بك خاصة في نفسك من آلامها ؟ وما علمت من استدعاء القليل من موجودها ، للكثير الجم من مفقودها ، حتى في كل أمرها ، بل في خطرات ذكرها ، فهي فقر لا غناء معه ، وشره « 1 » لا قناعة له ، وحرص لا توكّل فيه ، وطلب لا انقضاء للميعاد منه ، وغدر وختر « 2 » وكذب وخيانة ، ليس فيها صدق ولا وفاء ولا أمانة . أفما كان في ذلك ما يدعوك إلى الزهد فيها ، والتنزه بعده من الميل إليها ، وإدخال الراحة على نفسك من الشغل بها ، وما حملك الشّره من أحمال ثقلها ؟ ! فكيف وأنت زعمت أنك موقن بمواعيد ربك ، وذلك فما لا يتم - إلا به - إيمانك ، « 3 » فكيف وقد فهمت من الدنيا خبرها ، وعلمت يقينا موعظتها ، وأيقنت أنه لا يدوم لك فيها خلود محبة ، ولا يتم لك فيها سرور بمعجبة ، ولا يتبعك منها « 4 » تراث تركته ، والموت فسبيل كأن قد سلكته ، فكل هذا منها فأنت منها « 5 » في منهج وسبيل ، مع أن الذي هو فيها وأدل عليها من كل دليل ، خبر اللّه سبحانه عنها ، وما وصفه من صدق الخبر منها . فاسمعوا لذلك من اللّه فيها ، وتفهموا عن اللّه دلالته سبحانه عليها ، بفهم من قلوبكم مضي « 6 » ، وعقل من ألبابكم حيي ، فإنه يقول سبحانه : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 32 ) [ الأنعام : 32 ] . ويقول سبحانه : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 5 ) [ فاطر : 5 ] . ثم قال سبحانه : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ( 15 ) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا
--> ( 1 ) الشّره : غلبة الحرص . ( 2 ) في ( ب ) و ( د ) : للميعاد : معه . والختر : الغدر . ( 3 ) في المخطوطات : إيمانك إلا به . ولعل الأوفق لأسلوب الإمام ما أثبت . ( 4 ) في ( ب ) : ولا يشغلك ( مصفحة ) . وفي ( ب ) و ( د ) : فيها . ( 5 ) في ( ج ) و ( د ) : منه . وسقط من ( أ ) : منها . ( 6 ) مضي : نافذ .